التربية والتعليم بقلم محمد خريف ميلودي
عزيزي الزائر أنت غير مسجل في منتدى محمد خريف ميلودي ارجوا منك أن تزويدنا بما فيه الصالح العام من دروس وصور تعود علينا بالفائدة تفضل بالتسجيل

التربية والتعليم بقلم محمد خريف ميلودي

منتدى خاص بالعلم والمعرفة والبرامج والصور
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 يتتبع نبذه عن وادي سوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 451
تاريخ التسجيل : 17/10/2009

مُساهمةموضوع: يتتبع نبذه عن وادي سوف   الجمعة أبريل 15, 2016 1:10 am

ثم تجدد عمران قسطيلة الجريد و الزاب وغيرهما و بقيت أغلب أماكن سوف على حالتها من الخراب و الاضمحلال حتى دخل بنو هلال و سليم إلى إفريقية ، فانحاز كثير من قبائل زناتة إلى تراب وادي سوف لبعده في ذلك الوقت عن القلاقل ، فعمروه ـ وزناتة هم بنو جانا بن بربر بن تمصيت بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر بن بربر بن كسلوجيم أو مزيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام ـ وقد أتى إلى سوف قوم من البربر بأهاليهم واستوطنوا الموضع المسمى الآن ضواي روحه (لأنه كان يرى فيه ضوء من غير فعل فاعل ) ، كان وقت نزولهم تقريبا عام 522هـ/1129م.
ومن المعروف أن أغلبية نزوح الزناتيين إلى الصحراء و وادي سوف كان في عهد انحطاط دولة المرابطين ( الملثمين ) ، فيما بين 1120م ـ 1160م ، عندما انتشرت بها الإقطاعية و تفاقمت المظالم الاجتماعية بالمدن والقرى ، وكان أكثرهم ينتقل من محل إلى آخر مثل البدو الرحل ببيوت من الشعر أو أعشاش من الحطب و حلفاء ثم أقروا القرى .وكان في أولئك القوم امرأة صالحة أصيلة النسب ، سديدة الرأي تســمى تِكْ بِنْت سبت ، (18)لقد كان الوافدون على أرض وادي سوف من قسطيلة (الجريد) والزاب و وادي ريغ و ورقلة ، فاجتمع رأي جماعة من البربر على بناء قرية بالجردانية عند رأس الماء ، فاكثروا فيها الزرع والضرع والأشجار ، وشاع أمرها في تلك الجهات وتسابق إليها الناس من كل فج لحسن مائها وهوائها وكثرة خيراتها وأمنها.ومن ذلك أن آل عدوان وبني سليم بنواحي الكاف والقيروان ، فضاقت بهم المجالات لكثرة عددهم فانتقل بعضهم يجول في الأرض ، حتى وصلوا الجردانية فأعجبتهم فأرادوا سكناها مع من فيها من البربر فمانعوهم ووقع بين الفريقين عدّة مناوشات ، ومشادات كان النصر فيها حليف عدوان في حدود مستهل القرن السابع الهجري الموافق لبدايـات القرن الثالث عـشـر الميلادي فأخرجوهم منها و نـزلـوا مـنـازلهم(19).
كما انتقلت قبيلة طـرود الى وادي سـوف بقيادة مـسـروق بعد أن حـصـلت لها بعض المشاكل في نـواحي طـرابلس فـاستقـرت أول الأمـر بقابس و صفاقس وقـفـطـة ثمّ سـاروا حتّى وصـلوا عقـلة الـطـرودي والتي تـمـتدّ ما بين نـفـطة و الجـردانية ـ وقد سميت كذلك نسبة إلى شـداد بن حارث الذي تـوفي بهذا الموقع ،وهو من طـرود إفريقية ـ و نـزلوا بهـا و نـستشـهد في هذا الـصدد بمخــطوط الشيخ العـدواني الذي يـبـيـّـن كـيـفـيـة و تاريخ امتلاك قبيـلة طـرود لأرض ســوف ، حيث يذكر مايلي :" …كان لـطرود سـطوة عظيمة (كذا) حاسم فـأخـذ عمارة بن سالم و الأسـود بن سـاوية يلوجون في الأوطان حتّى لـقـوا قـصـور عـدوان فلم يجـدوا فيها أحـدًا إلاّ آمـة اسـمـها شَحْمَة و عـَبْـدًا اسمه شـُكر و شيخـًا كبيرا قد علم ما يأتيهم بالأخبار الغريـبة …"(20) . ثمّ يروي أن الأمـة كان بين يـديها طبل من النحـاس فإذا رأت خـيـرًا ضـربته للضـيافة ضـربة واحدة و إن رأت ما تكره ضـربته ضـربتين وكان من عادة عـدوان يـرعون بمواشيهم أول يوم من الربيع …ثمّ يخبرنا العدواني أيضًا :
"…فلما وصل الرجـلان إلى القـصـر لم يجـدا فيه أحدًا فأجابهما شكر : ما فيهم أحد إن كنتم تريدون الضيافة فـقـفوا موضعكم حتى نخرج لكم الخبز و الماء ،وإن أردتم الأخبار و الكلام هلموا إلى ذلك القصر المعروف بالمدينة ، قالا :" لابـد " فحملهما شكر إلى الشيخ الساكن بالقصر البعيد إلى أن دخلا عليه فردّ عليهم السلام ، قال لهما :" من أيـن أنتما من القبائل و ما تريدان" ، قالا له :"نحن من أخلاط إفريقية أتـيـنا نلوج في الأوطان." قال لهما الشيخ :" كذبتما فعندي كما في التاريخ إن هذا الوقت خروج طرود وسيملكون هذه الأرض" قال له الرجلان :" وما هذا العلم عندك " قال لهما الشيخ : " لأن ســوف من وراء ظهري ، وهذه تسمى بقصور عدوان و إن شئت قلت لهم قصور الرهبان … " فعرف الرجلان أنه صاحب أخبار…"(21).
لذلك نزلت قبيلة الطرود بالناحية الجنوبية الشرقية لمـدينة الـوادي، و استقرّت قبيلة عــدوان بالناحية الشمالية منها. وتشير المصادر التاريخية أن طرود حينما نـزلوا بـســوف ، قد تنازعوا مع زناتة تكسبت بسبب قلّة الماء ، وأن بعض طرود ـ وهم أولاد حمد الحاليين ـ أتــوا إلى الــوادي و نـزلـوا قـرب سـيدي مسطور ، ذلك أن هذا الولي الصالح سيدي مسطور قد سبق وأتى من المغرب ، وفي رواية أخرى أتى من القيروان (وهي الأرجح) ، ونزل بقرب أهل تكسبت وكان صاحب علم وتقوى الله ، غير أنه لم يحظ بقبول الناس ، فانقطع للعبادة بزاويته المشهورة بالـوادي التي تبعد عن تكسبت بنحو ميل من الجهة الجنوبية ، ثمّ بعد زمن قليل تلاحق الناس ونزلوا قرب أولاد حمد الآن ، فـفرح بهم سيدي مسطور غاية الفرح وأكرمهم ، وكان صاحب ماشية كثيرة قـلَّ من كان لـه مثلها في ذلك الحين ، وكان وقت دخولهم إلى الوادي عام 800هـ/1398م ، وانتشـرت طرود قـطعًا قطعًا من الـوادي إلى سـنـدروس و وادي العلندة ونواحي أخرى .. (22).
وهكذا ، بعد أن أرهقت وأدمت الحروب قبيلة طرود ، وضاقت بها الأرض بما رحبت،لم تجد إلاّ أرض ســوف لتستـقـر بها و تنشر مــواشيها و إبلها، فاستـتـب الأمـن و عاد الهـدوء والسلام ، فلما تــمَّ عشـرون سنة بالنازية توفي طرد ، و حين قاربت وفاته اجتمع بكبار أعيان قبيلة طرود و أوصـاهم قائلا : أوصيكم إذا مات أحدكم فلا تضجعوه كالنائم ، فإذا فعلتم ذلك نقصت حرمتكم ، وإذا حكمتم هذه البقعة فانزلوا سوف فهي داركم ، وإذا تخالفتم في الرأي فخذوه من رجل كان أبوه صاحب رأي، ولا تجعلوا أمراء واد ريغ عليكم فيفسد رأيكم وتنقص حرمتكم و يأخذكم الغرض، و أحسنوا إلى بقية عدوان ليكونوا لكم عونًا، وإذا خرجتم من النازية فيأخذ كل أهل قصر وحده لـئَلا تقع بينكم الفتنة،وإذا وقعت الفتنة بينكم فسد رأيكم.(23)
والجدير بالذكر هو أن الخصام و النزاع بقي قائما و مستمرا بين قبائل سوف ، فوقع خلاف حاد ما بين طرود و زناتة تكسبت من أجل الماء ، و اشـتـدّ ذلك حتى وصـل إلى التقاتل والتناحر ، مما أدى إلى خـراب تكسبت وفـرار أهـلهـا إلى نفطة و تقرت و ورقلة ، فخـلا الجو لقبيلة طرود بعد جـلاء زناتة عن أرض سـوف ، فجالوا فيها من غير معترض وانتشرت أحياؤها و اتسعت مراعيهم(24) حتى أصبحـوا قـوة هائلة في المنطقة ، لها سطـوة وهيبة ، وقد ربطوا علاقات وديــة و تجارية مع أهل القيروان و منهم عـرفة بن أحمد بن مخلوف الشابي زعيم الشابية ـ و هي طريقة دينية صوفية بالقيروان ـ و كان الشابي يتخوف من مكائد الوالي ، لهذا كان يبحث عن أنصار ليواجهه وقت الحاجة ، وقد وجـد ذلك في قبيلة طرود حيث قال لهم:" يا طرود من نصرتموه انتصر ومن كسرتموه انكسر ، قليلكم كثير وكثيركم لا حدّ له .." لهذا دخلوا معه المنافسة و ناصروه ، غير أنه لم ينصفهم في الغنائم ، فانصرفوا بغيظهم إلى سـوف عازمين على عـدم نـصـرته مرّة أخـرى.(25)
أما بني عـدوان فقد تكاثـر عـددهم أيضا بـسـوف ، وازدادوا بفضل هجـراتهم المتتالية ، خاصة منذ القـرنين الحادي عشر و الثاني عشر الميلاديين ،و كان أغلبهم من الـسكان الحضـر، فاختلفوا مع قبيلة طرود و قامت بينهما نزاعات وصـراعات مـريرة و عنيفة ؛ أدى كل ذلك إلى انقسـام أهل سـوف إلى قسمين بارزين هما: بني طرود و بني عدوان.
غير أن الخصومات قد استمرت بين الطرفين لعدة سنوات ،ففي حوالي القرن السابع عشر الميلادي وقع انقسام كبير بين الفريقين تابعه تحالف سياسي جديد ؛ذلك أن أحد الرعاة البدو من طرود هرب بخمسة وعشرين جملا مسروقة لبني طرود إلى قرية تاغزوت ،وقد آجره شيخ يدعى سـعـود و منحه حق اللجوء هناك،واستطاع سـعـود أن يحميه ويقاوم ضغط طرود عليه بفضل التحالف الذي عقده مع قرى الزقم وكويـنـين و سيدي عـون و ورماس. ومنذ ذلك الحين فإن المشـتـركين في هذا التحالف أصبح يطلق عليهم أولاد سـعـود ،والمعروف هو أن قريتا الزقم وسيدي عون هم من بني عدوان، ولكن قرى تاغزوت و كويـنـين و ورماس كانت تضـمّ عـددا كبيرا من بني طرود المستقرين بين سكانها ،لهذا فإن تشكيل حلف أولاد سعود يمثل جبهة الدفاع ضـد هيمنة الطرود فيها ودعم من الخارج وعلى مسافة بعيدة ضـد الجيران المنافسين بحيث أصبحت المواجهة وجها لوجه،فــالزقم ضد البُهَيْمَة وكوينين ضد الـوادي وتاغزوت ضد قـمـار وسيدي عون ضد الدبيلة(أنظرالخريطة)، وأصبح النزاع والشقاق بين الصفوف(طرود ـ سـعود) ينشب لأتفه الأسباب فتقوم صراعات تافهة و هامشية تثير العداوة و البغضاء حتىكادت أن تقضي على المبادئ النبيلة الإنسانية وعلى التعاليم الإسلامية السمحـة كالأخـوة و التسـامح و التضـامن …الخ. لهذا جاء إلى وادي سـوف العلامة الشيخ الجليل سيدي المسعود الشابي ليرشد النّاس إلى الطريق الصواب و يصلح أمرهم ، وقال الراوي في نسبه: " هو المسعود بن محمد ( بن ؟) الشابي بن عبد اللطيف بن أبي المكرم (بكر) بن أحمد بن مخلوف بن علي بن محمد بن مساعد بن سليمان بن مروان بن عبد الغني بن حسن بن أحيد بن حميد بن ليث بن عبد الله بن عبد الرحمان بن عبد العزيز بن سهم بن هنين بن تانير بن داود بن هذيل بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود (صاحب رسول الله ، ) بن الحارث بن شملخ بن مخزوم بن صـلة بن كاهل بن الحارث بن ايم بن سعد بن هذيل (بن) مدركة ، وفيه يجتمع نسبه و نسب النبي ـ ـ وفيه كفاية عن من صـافحه لأن شهرته تغنيك (26).
نـزل الشيخ المسعود باللـجـة في الناحية الشرقية الشمالية من سـوف التي هي بلدة الزقم وبلدة البُهَيْمة وما يليهما من المداشر ، ليعلم أهلها دين الله و شريعته في الأرض من القرآن وسنّة رسول الله (عليه أبهى الصلوات وأزكى التسليمات) لأنّ إيمـانهم قد فـتـر و إسلامهم ضعف وأهتزّ وحصل عندهم تـردّد كبير في أداء فـرائضهم الدينية ،فعمل على تنـويرهم وتبصيـرهم إلى الطريق الإسلامي الصحيح .ثم رحل ونزل على أهل الوادي ،بموقع تكسيبت فـاستضـافه العـش بن عمر بن سليمان بن محمد اليربوعي ، ومكث مـدّة يعلم النّاس ثمّ دعاهم إلى بناء مسـجـد ،فبـنوا المسجد الجامع بوسط سـوق الــوادي ، المعروف اليوم باسم "جامع سيدي المسعود" وهو من أجمل مساجد ســوف ومن معالمها البارزة إلى حد الآن؛ وكان نــواة لنشر العلم و التعاليم الإسلامية السمحة على يـد الشيخ سيدي المسعود و تلامذته من بعده منهم أولاد دربال وغيرهم .
كما انتقل سيدي المسعود إلى قرية غنام بن مبارك بن فارح و هي الهنشير الشرقي الذي منه عمرت بلدة كوينين الآن ، فـدعاهم للهداية و تقوى الله قائلا لهم :" إنني ما جئت أسـألكم عن ذلك أجـرًا ، إن أجري إلاّ على الله." وطلب منهم أن يتبعـوا هـدي نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ و يعرفوا ربــّهم و يوحدوه؛ ثمّ أرتحل سيدي المسعود إلى بلدة تاغزوت ، وأقام فيها مـدّة يعلّم النّاس أمـور دينهم و دنياهم ، وما لبث أن رجع إلى اللّجّـة فأ قام بها زمنـًا و من هناك انتقل إلى الجـريد بعد أن أقـلع جـذور الفساد و حمية الجاهلية ، ونزع تعصب المتعصبين، ثمّ أصبح يتردد على وادي سـوف من حين لآخـر علّه يصلح ما قد فـسـد ويرشد النّاس إلى السبيل الصحيح ، فرضي الله عنه وجزاه عن ذلك خير الجزاء . وكان كل ذلك في المنتصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري الموافق لمنتصف القرن السابع عشر الميلادي.
لم يخضع إقليم ســوف للحكم المركزي في عهد الجزائر العثمانية (1518 ـ 1830) إلاّ في بعض الفترات الأخيرة منه ، ذلك أن أغلب المناطق الصحراوية في هذا العهد تكاد تكون في عزلة تامة عن الأتراك العثمانيين بالجزائر ، حيث كانت تعيش شبه مسـتـقـلة وتخضع لنفوذ ما يعرف بـ"الجماعة" ـ وهم العقلاء الذين يقع عليهم الاختيار من طرف الأهالي ـ و لم تخرج منطقة وادي سـوف عن هذا النظام ، غير أنّها أصبحت تابعة اسميًا وصوريًا لنفوذ شـيـخ العرب الممثل لباي قسنطينة في الصحراء من جهة ، وكذلك ممثل سلاطين بني جـلاب بتقرت من جهة أخرى، وهذا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر الميلادي .
والجدير بالذكر ، هو أن بعض قـرى سـوف رفضت الخضوع لسلطة بني جـلاب، في حين انقاد إليهم البعض الآخـر، الأمر الذي جعل بعض سـلاطين تقرت يحاولون إخضاع قـرى سـوف لسلطتهم بالقوة وجمع الضـرائب و الإتاوات منها عـنـوة ؛ ففي سنة 1787م كان الشيخ فرحات بن جلاب سلطانًا على تقرت و نواحيها ، وكان مستقلا عن الحكم العثماني ، أو بالأحرى عن باي قسنطينة ،حيث يرفض الانضواء تحت نفوذه ، بل كان ينافـسـه في السيطرة على سـوف و يريد الاستحواذ على ضرائب جميع قرى سـوف ، مما جعل أهل الإقليم في موضع حرج أمام هذا الانقسام في السلطة .فبينما كان سلطان تقرت يطالبهم بالاعتراف بسلطته و تسليم الجبايات إليه،كان شيخ العرب ببسكرة ،يـبـعث إلى منطقة ســوف من حين لآخر بعض جنوده من الأتراك العثمانيين لجمع الجبايات ، وبذلك انقسم أهل ســوف ما بين الخاضعين لسلطان تقرت والرافضين له ، لهذا عزم الشيخ فرحات على محاربتهم ومعاقبتهم وذلك مثل ما فعله سابقًا مع القسم الغربي من الدبيلة ، فبعد اقتتال ضاري انهزم الدبيليون بعدما قتل منهم الكثير ،وخربت مساكنهم ونُـهـبت أمتـعـتهم وخـضـعـوا أخيرًا لنفوذه. وفي عام 1789م عاقب الشيخ فرحات أهل بلدة قمار بـســوف أيضًا، فـنـزل عليهم بجيش عرمرم يقوده محمد بن الحاج بن قانة و فـرض عليهم دفع خمسة وعشرين ألف ريال سوفي(صرفه يساوي فرنك واحد وخمسة وعشرون سنتيما) وأمرهم أيضًا أن يقدموا ما يكفي المحلّـة من القمح والسمن والزيت ، وما يكفي دوابهم من الشعير والحلفاء ، وما يكفي لاخبيتهم من الخشب؛وأقام عندهم نحو الخمسة عشر يومًا على هذا الحال (27) و ارتحل راجعًا.
في سنة 1791م قـدم صـالح باي حاكم بايليك الشرق من قسنطينة إلى تقرت ومعه ستّة آلاف فارس من العرب الشجعان و ألف فارس من الأتراك حاصـر بهم الشيخ فرحات لمدّة أربعين يومًا،غير أنـّه لم يستطع فـتـح تقرت ،مما جعله يتركها و يستعمل الحـيلة للقبض عليه بأن يخرجه من حصنـه ويبعـده عنه ، وهذا بإشعال نار الفتن والثورات ضـده بمنطقة سـوف ؛ و لهذا أرغم الشيخ فرحات فيما بعد على مغادرة تقرت قاصدًا منطقة سـوف للانتقام من أهله واسترجاع نفوذه مع بسط الهدوء والأمن فيه ، لكنّه لقي مصرعه أثناء هذه الحملة ، وبذلك تــمَّ الاعتراف بسلطة صــالح بـاي على ســوف و تقرت ، وعيـّن الشيخ محمد بن الشيخ الحاج أحمد واليًا على كل المنطقة(وادي ريغ و سوف) مكان الشيخ فرحات ، ورغم ذلك بقيت بعض نواحي ســوف كالــوادي وعميش والطريفاوي مناهضة لسلطة بني جــلاب .(28)
وقد واكبت هذه الأحـداث حـركة فكرية وأدبية وتجارية مزدهرة في ســوف خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، حيث اشتهر أهلها بحب العلم والعلماء، وحب المغامرة والأسفار والهجرة والتجارة، فكانوا يقودون القوافل التجارية بين أهم المحطات و الأسواق الصحراوية؛ فنجدهم يتاجرون ما بين وادي ســوف وغدامس وفزان وطرابلس والجريد وتونس من جهة و وادي ســوف والهقار وتـوات من جهة أخرى.
ومن رجالات وادي ســوف المصلحين البارزين ،والذين أثـروا في تاريخ المنطقة ، الشيخ سيدي ســالم الأعرج الســوفي ،شـيـخ الطريقة الرحمانية (29) و مؤسسها بإقليم وادي ســوف،والمقبور بـزاويته الشهيرة بمدينة الــوادي، و هـو ابن محمد بن محمد بن سيدي محمد بن نصر بن عطية الشريف ، من نـسـل الزائر بن سـيـدي المحجـوب دفـيـن القـيـروان ، وقـبـره بها يـزار إلى الآن، ويشهـد له كل النّاس بالصـلاح و النّـجـاح والكمال.
أمّـا طريقته فقد أخـذها سـيـدي ســالم عن الشيخ سيدي علي بن عـمـر الطولقي الشريف الملقب بـ " شيخ الزهاد وفخر العباد سراج الطريقة ومعدن الحقيقة " ، وهو أخـذها عن الشيخ سيدي محمد بن عزوز البرجي الملقب أيضًـا بـ"ـأ بي البركات القدوم الهمام ذي النـفـع و الفيض على جميع الأنام " وهو أخـذها من "كهف الأنام و حجـة الإسـلام ذي الحجج الباهر و الكرامات الظاهرة ،وحيد الأولياء و رئيس النبـلاء " العالم العامل الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمان باش تارزي (30)؛ وتستمر سلسلة الشيوخ في الأخـذ عن بعضهم الى سـبـطي الـنّبي ( صلى الله عليه وسلم ) سـيّـدا شباب أهـل الجنّة الشيخين الفاضـلين الحسن و الحسين،و هما أخذاها عن باب مدينة العلم ابن عـمّ سيدنا محمد ( صلى الله عليه وسلم)،والدهما سيدنا عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وهو أخـذها عن سـيد المرسلين وحبيب ربّ العالمين محمد الصـادق الآمين ( صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين )، وهو عن جـبـريل عليه السـلام ،وهو عن الحـق جـلّ وعلا. تــرك سيدي ســالم ولدين فاضلين هما: الشيخ سيدي مصباح وهو الأكبر سـنـًّا ، والآخر سيدي محمد الصالح ، فالأول جـرى على طريقة الأشياخ الذين يكـتمون أمرهم، أمّا الثاني جرى على طريق من يذيع ذلك، لهذا فقد لازمـه طـلاب العلم والشيوخ، و منهم الشيخ إبراهيم ابن محمد الساسي بن عامر السوفي الوادي ،حيث كتب فيه رسـالة سماها : " البحر الطافح في بعض فضائل شيخ الطريق سيدي محمد الصالح " نـشـرها أبو القاسم محمد الحفناوي في كتابه، تعريف الخلف برجال السلف، يظهر فيه خصال ومناقب آل سيدي ســالم، وما قدموه من أعمال جليلة لـنـشر العلم و إرشـاد النّـاس و إصلاح المفاسد عن طريق زاو يتهم بالوادي،و التي أصبحت عبارة عن خلية تضمّ العـديد من الطلاب لحفظ القرآن الكريم و دراسة العلوم المختلفة ، كما تضمّ أيضا الأخوان و المريدين و تعقد بها حلقات الذّكر والمدائح وبهذا النشاط الحثيث استقطبت الزاوية الكثير من الطلاب ،وخاصة من منطقة النّمامشة لأنّها تضمن لهم الإيواء و الغذاء والتعليم، حيث تخرج منها العديد من المعلمين و الأساتذة الذين خدموا الدين الإسلامي واللغة العربية في الجزائر، وجـزاهم الله جميعًا عن ذلك خـيـر الـجـزاء .
** حقبة الاحتلال الفرنسي لإقليم سوف :**
بدأت فرنسا تفكر في احتلال إقليم ســـوف منذ الأيام الأولى من سقوط مدينة قسنطينة في شهر أكتوبر 1837م، حيث برهنت الأحداث على أن ســوف ـ أو ما يعرف في ذلك الوقت بصحراء قسنطينة ـ هي القاعدة الخلفية للمجاهدين والزعماء.
وبعد احتلال القوات الفرنسية لمدينة بسكرة سنة 1844م ،التجأ خليفة الأمير عبد القادر وقائد الجهاد بالمنطقة ، محمد الصغير بن أحمد بلحاج إلى وادي ســوف ليعتصم بها .لهذا عملت السلطات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر جـدّيـًا على مـدّ احتلالها إلى ســوف ،فـأرادت جـسّ نبض سكان المنطقة قبل الإقـدام على تنفيذ مشروعها فبعثت بإحد شيوخ أولاد عمر ليخـبر أهل ســوف البلاغات و الإعلانات التي أصدرها الوالي العام لسنة 1845م، وقد تقبل سكان المنطقة هذه الإعلانات بقبول حسن لأنّها تراعي مصالحهم ، وما دامت أيضاً لا تضـايق قوافلهم نحو الشمال، لهذا أسرعت القـوات الفرنسية بتجهيز الطوابير الـعـسـكرية للسـيـر نحو إقليم وادي سوف ويقول الضابط "لورونت شارل فيرو" في كتابه: "صحراء قسنطينة" و المنشور في أعداد متتالية من المجلة الإفريقية، مايلي:" ..خلال السنوات الأولى لاحتلالنا للصحـراء ، ومن أجل تثبيت مؤسسـاتنا اقتضت الضـرورة إخضـاع أولاد نائل ثمّ الأوراس والنمامشة، حتى نتفرغ و نـهـتمّ بكل جـدّيـة لعملية احتلال ســوف المضطرب جـدًّا بتأثير من ابن أحمد بلحاج الذي طـرد من الأوراس من طـرف الجنـرال " بـيـدو" (BEDEAU) فالتجأ إلى الــوادي …".(31) يتتبع .........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://2000.akbarmontada.com
 
يتتبع نبذه عن وادي سوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
التربية والتعليم بقلم محمد خريف ميلودي :: التاريخ-
انتقل الى: